ملخص روايتي "ميعاد لم تقتل أحدا" المنشورة في 2020 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع
رسم حاتم خطة للقراءة المسائية كما يفعل في الصباح. ألزم نفسه بعدد معين من الصفحات ينتهي منها قبل موعد مغادرته في الثانية عشر ليلاً. كانت خطته بمثابة البديل الاستراتيجي الذي سيغنيه عن الأنس الذي كان يضفيه وجود الفتاتين الخليجيتين. فقد لاحظ غيابهما خلال الأيام التي تلت اليوم الذي كان حافلاً بهما في المساء، بينما كان يحفل في صباحه بحورية العيادة.
- نورت يا باشا ، شايفك جبت كتاب تاني الليلادي
- أهلا، مساء الخير كيفك اليوم؟
- كله تمام يا فندم، القهوة على وصول، ريح إنته بس، وأخدمك من عينيه..شايفك يا باشا ما بتطلبش شيشة.. مبتشربهاش ولا أيه ؟
- على طاري الشيشة، كنت أريد اسألك عن المزتين اللي كاونوا على هذي الطاولة من يومين
- دول أطعوا يا باشا.. ما بيجوش
- لازم زعلتهم في حاجة
- كله إلا المزز يا باشا.. أنا أزعل نفسي ولا ازعلهمش
اصطنع حاتم ابتسامة هادئة لزوم المجاملة. لا بد وأن الجرسون كان يبحث عن حوار يفتتح به ليلته مع الباشا.
عندما طالت جلسته وحيداً تلك الليلة، أخذه التفكير إلى أن الجميع يُشفى بسرعة ويعود لبلده إلا هو، سيعود وفي يده أشرطة الدواء وفي قلبه الداء. أصبح يعلم يقيناً أن ما في أكياس الصيدلية لن يعرف إلى قلبه طريقاً. أيقن بذلك أيضاً عندما استوى على مقعد الطائرة وحاور قلبه المكسور. أيقن بذلك عندما كان في كل صباح يحاور الهرم الأكبر من شرفة غرفته، فيعود خائباً بعد أن يغيب عنه خلف غبار المدينة الصاخبة. عرف ذلك عندما رفضت نسمات النيل أن تتلقف أحزانه كما تفعل مع الجميع. أيقن ذلك عندما كان يشاهد الفتاتين تتماثلان للشفاء من نفث آلامهما مع أدخنة الشيشة. كانت الأوجاع تخرج من بين شفاههما كعفريت وجد في نيل القاهرة شربة الخلود له ولذريته. بدا له أن عفاريت أهل الخليج تعلم أن الشرب من النيل يفضي بها إلى طريق الرحلة الخالدة.

تعليقات
إرسال تعليق